أصبحت دولة الاحتلال التركي اليوم بلداً غير آمن وخصوصاً بعد تنامي ظاهرة العنصرية ضد كل اللاجئين والمهاجرين، وخصوصاً العرب، وعلى رأسهم السوريون، قد يفسر البعض هذه الموجة من العنصرية بتراجع الأحوال الاقتصادية في تركيا، ومعاناة المواطن التركي، وخصوصاً مع صعود الخطاب المحرض من قبل سلطات الاحتلال التركي نفسها مع قسم كبير من المعارضة التركية ضد المهاجرين واللاجئين، وتصوير الأمر للمواطن التركي على أن هؤلاء من أخذوا فرصته في بلاده.
إلا أن ما يحدث بحق السوريين و العرب في تركيا، يجعلنا نفكر في أنها أكبر من مجرد “موجة” عنصرية بسبب الأزمة الاقتصادية، بعد انتشار حالات التعدي على السوريين بشكل واسع، وتكرار حالات القتل و آخرها احداث العنصرية في ولاية “قيصري التي امتدت إلى معظم ولايات التركية في ظل عدم وجود رادع رسمي من قبل الحكومة الاحتلال التركي تجاه العنصريين، أن حالات التعدي لم تقتصر على اللاجئين والمهاجرين، بل طاولت السائحين العرب أيضاً، في بلد من المفترض أن السياحة تشكل أحد أهم أعمدته الاقتصادية.
أن تصاعد موجة ممارسات العنصرية والأعمال العدائية، والتي يقوم بها الأتراك ضد الأجانب بصفة عامة، وضد كل ما هو عربي بشكل خاص، سواءً كان سائحاً أو لاجئاً امتدت تلك الممارسات إلى إزالة يافطات المحلات في الشوارع المكتوبة باللغة العربية،وقام سياسيون محسوبون على حزب الحاكم بالتوجه إلى مناطق توجد فيها محلات سورية في ولايات جنوبية، لانتقاد ما وصفوه بسيطرة الثقافة العربية، مطالبين الباعة السوريين باستخدام الألفاظ التركية وليس العربية، بالتزامن مع نزع جميع اللافتات المكتوبة باللغة العربية وفي جميع انحاء تركيا، و وصلت لدرجة خوف مواطنين السوريين والعرب من الحديث باللغة العربية في أي مكان، خاصة في المواصلات العامة، بعد تفشي تيار العنصرية.
لذلك أن ما يحدث الآن في داخل تركيا تجاه السوريين تحديداً لا يمكن أن يكون صدفة، كما لا يمكن وضعه في إطار الحوادث الفردية، فهذا أعمال منظمة و ممنهجة ويكشف حجم عمل عنصريين الأتراك بمساعدة الدولة، على منصات التواصل الاجتماعي، خاصة (إكس) ضد السوريين والعرب، وأن الاحتكاكات والجرائم التي وصلت إلى القتل لا يمكن أن نقول إنها عمل غير ممنهج، فلولا التعبئة والخطاب التحريضي عبر وسائل التواصل الاجتماعي ما شهدنا الجرائم التي وصلت أعدادها للمئات وآلاف وتتزايد يوم بعد يوم.
إلا أن الزيادة المرعبة للجرائم بحق السوريين في أوانة الأخيرة و ترحيل اللاجئين بشكل قسري، جاءت بسبب سياسية التي اتبعها حكومة الاحتلال التركي و هي المسؤول الأساسي عما يحدث في قضية الممارسات العنصرية، إذ تفاقمت هذه العنصرية منذ أن استخدمت الحكومة خطاباً استفز المواطنين الأتراك بشكل خفي ضد المهاجرين واللاجئين، وأقصد هنا خطاب “المهاجرين والأنصار”، الذي تبنته الحكومة،وقد بدأ العمال اللاجئون، وخاصة السوريين، في العمل بتركيا مقابل لا شيء تقريباً، فقط لتغطية نفقاتهم، وكانت هذه ورقة رابحة وفرصة نادرة لرأس المال التركي، حيث قالوا للعمال الأتراك: “انظروا، هناك عمال يعملون بجهد أكبر وأرخص منكم”.
وفي النظر إلى التاريخ ،العنصرية والتعصب للعرق بنسبة للأتراك ليست بجديدة فنظرة الفوقية للذات واحتقار الشعوب الآخرى موجودة منذ الازل، مع نشأة الدولة التركية تم أخذ مبدأ إعلاء العرق التركي حداً بلغ درجة العنصرية، فتم رفع شعارات من قبيل الجنس التركي أصل البشرية والحضارة بأسرها،ويا لسعادة من قال أنا تركي.
لتبقى أزمة الصراع بخصوص هوية دولة الاحتلال التركي، كابوس تصارع هذه الدولة القابلة للزاول، لأنها لم تستطع احتواء التطلعات القومية للشعوب غير التركية، الكرد والعرب واليونانيين والأرمن، وفشلت محاولات الصهر التي يمكن من خلالها طبع الشعب كله بطابع قومي واحد، وبقي شعار اليمين العلماني “نحن جميعا أتراك” بلا جذور كما لم ينجح شعار “الأخوة الإسلامية” في القفز على التطرف القومي.